الياس شوفاني
174
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
وتذكر المصادر عددا كبيرا من الصحابة - مهاجرين وأنصار - ممن وفد إلى فلسطين بصورة فردية ، واستقر بها مع مواليه . فنزل بعض بني هاشم في أذرح ؛ وبني عبد اللّه بن عباس في الحميّمة ، كما أقام عدد من بني أمية في أيلة ومعان والبلقاء ووادي الأردن والساحل وبئر السبع . وكذلك نزلت جماعة من بني مخزوم في منطقة غزة . وإلى جانب كل قبيلة عربية كان هناك الموالي المنتسبون إليها ، بسبب إسلامهم ، وهم من غير العرب ، أي من السكان الأصليين الذين استقروا بالبلاد قبل الفتح ، ومعظمهم من الأراميين والسريان ، الذين أسلموا ، ودخلوا في حلف مع القبائل العربية لتثبيت موقع لهم في التركيب الاجتماعي - السياسي الجديد ، فأصبحوا ينتسبون إلى تلك القبائل بالولاء . وكان منهم التجار والكتّاب والفلاحون والحرفيون والعمال . . إلخ . وقد برز بعضهم وتولى مناصب مهمة في الدولة والجيش . ومنهم من تفرغ للعلم ، وبلغ مرتبة رفيعة فيه ، وحتى في العلوم الإسلامية والعربية ، فضلا عن العلوم الأخرى . أمّا من لم يعتنق الإسلام فقد ظل في عداد أهل الذمة ، وكان عليه أن يدفع الجزية لقاء الحماية التي تؤمنها له دولة الإسلام . ويصعب تقدير عدد هؤلاء ، إلّا إن الإشارات إليهم متوفرة . وإضافة إلى حرية العبادة التي ضمنتها لهم الخلافة ، فقد تمتعوا بحق العمل - الزراعي والصناعي والتجاري - وحتى في دواوين الدولة ، وخصوصا في المرحلة الأولى ، قبل أن يعرّب عبد الملك بن مروان الديوان ( الخراج بصورة خاصة ) . وهذا يعني أنه إلى ذلك الحين ، ظلت سجلات الدولة ( وخصوصا الشؤون الضريبية ) باللغة السريانية ، وظل موظفو مثل هذه الإدارات من أهل البلد الأصليين . وقد استعمل بنو أمية عمالا من النصارى ، وصلوا إلى أعلى المراتب ، ومنهم سرجون بن منصور ، رئيس الديوان أيام معاوية وابنه يوحنا بن سرجون ( يوحنا الدمشقي ) وكانا في خدمة معاوية وابنه يزيد . وكانت قبائل العرب النصرانية تتمتع بموقع متميّز عن أهل الذمة ، ومنها من تشبث بديانته لفترة طويلة ، كقبيلة تغلب مثلا ، مع أن رجالها شاركوا في الفتوحات . ونعمت فلسطين في عهد الأمويين ، وخصوصا في أيام عبد الملك ، بالرخاء والازدهار ، كما أقيمت فيها العمارات الجميلة والفخمة . ففي أيام صراعه مع ابن الزبير ، بنى عبد الملك قبة الصخرة المشرفة في القدس سنة 691 م . ويقال إنه أراد بها صرف الحج عن مكة والمدينة إليها . ثم تبعه ابنه الوليد ، فأقام المسجد الأقصى ، بجوار قبة الصخرة . كما أقام المسجد الأموي مكان كنيسة القديس يوحنا في دمشق ، وأعاد بناء الكعبة والمسجد الحرام ، وكذلك مسجد النبي ( ص ) في المدينة المنورة .